مقاربة منهجية لمبحث إعادة البناء
[ورقة أعدت للتقديم في الملتقى القيادي المقرر عقده بتاريخ 4-7 سبتمبر 1993]
إن الشعار المرفوع كعنوان لهذا البحث، وهو "وقفة تقويم من أجل إعادة التنظيم"، يفترض الإقرار والتسليم بصحة مقدمة أولى هي: أن البناء القائم الآن لم يعد صالحاً للبقاء كما هو، لعدة أسباب يمكن أن يكون من بينها:
1- أنه اهتز وتصدع، وأنه، إن لم يتدارك بالترميم والإصلاح، آيل للسقوط والتهدم.
2- أنه لم يعد يتواءم مع الوظيفة التي ينبغي أن يؤديها، فهو بالتالي محتاج إلى إجراء تعديلات في تصميمه، حتى يتواءم مع الوظيفة الجديدة المطلوب أداؤها.
3- أنه لم يعد يستوعب ويستجيب لحجم ونوع وحاجات السكان الذين يتعايشون في محيطه، فهو بالتالي محتاج إلى مواءمة جديدة، سواء بالتوسيع أو بالتضييق، حتى تحدث المواءمة بين البناء وساكنيه.
وإذا عرضنا هذه الأوصاف على البناء الذي نحن بصدد الحديث عنه، وهو "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا"، فإننا واجدون أنها كلها تنطبق عليه بشكل أو بآخر:
1- فبناء الجبهة تعرض للعديد من الهزات التي اختلفت قوة وتأثيراً، ولكنها أدت مع مرور الوقت إلى ما نشاهده اليوم من مظاهر الانهيار والتصدع، التي لم يعد يجادل أحد في أنها بلغت حداً من الخطورة يستدعي تداركاً بالإصلاح، وإلا انتهى إلى الانهيار التام.
2- وبناء الجبهة الذي وضعت أسسه وحددت وظيفته عام 1981، بناء على مواصفات ومعطيات وآفاق الحركة في تلك المرحلة من عمر القضية الوطنية، وعمر المعارضة، لم يعد يتواءم مع مواصفات ومعطيات وآفاق الحركة في المرحلة الحاضرة، التي تأثرت بشكل عميق بحركة المتغيرات الذاتية والخارجية، ما يستدعي تعديلاً ملائماً في أسس البناء، وتوصيفاً مختلفاً للوظيفة المطلوبة منه.
3- وبناء الجبهة لم يعد يستجيب لنوع وحاجات الأعضاء الذين افترقوا إلى عدة شرائح:
أ – منهم من غادر البناء نهائياً، وذهب ليبحث عن غيره يتفق وحاجاته.
ب – ومنهم من لم يتخل عن موقعه في البناء، ولكنه يكاد يقضي معظم وقته خارجه.
ج - ومنهم من ظل يسكنه، وإن بقناعة متناقصة في مواءمة البناء لحاجاته، وظل يعاني من وطأة القلق والتوفر والضياع، انتظاراً للعثور على بناء أفضل. وهذه الشريحة هي بدورها في تناقص مستمر، لأن أفرادها صاروا يغادرون البناء واحداً تلو الآخر.
ولذا فإن البناء محتاج إلى إعادة تصميم كبرى حتى يتواءم ويستجيب لحاجات أكبر عدد من الأعضاء، ولو أدى ذلك إلى حدوث عملية تصفية حاسمة بين من يبقى ومن يفضل المغادرة.
فإذا صحت هذه المقدمات وقبلت، فإن البحث يتجه عندئذ إلى النظر في مسائل ثلاث:
الأولى – مراجعة نقدية للمرحلة الماضية:
تنظر في ظروف وملابسات تأسيس الجبهة، وتعيد تقييم مدى مواءمة الأسس والمنطلقات لمعطيات الصراع في تلك المرحلة، وتحلل أسباب الفشل في إنجاز الهدف الأول "إسقاط النظام"، ثم تحاول تشخيص مظاهر القصور في تحديد وبلورة وتنفيذ برامج التحرك المختلفة: العسكري والسياسي والإعلامي والتنظيمي.
إن هذه المراجعة ينبغي أن تتم منطقياً من منطلق التسليم بأن الجبهة قد فشلت في إنجاز هدفها الأساسي وهو إسقاط النظام. ذلك أن من لا يسلم أو لا يعترف بوجود هذا الفشل، هو امرؤ لا يسلم أصلاً بوجود العلة، وهو من ثم غير مرشح لأن يتمكن من إيجاد العلاج. ولذا فإن مهمة البحث عن العلاج تقع على كاهل من يسلمون بوجود العلة، ويشعرون بوطأة المرض. ويترتب على هؤلاء أن يتصفوا بالقدر المناسب من جرأة النظر وشجاعة الاعتراف بالحق، والقدرة على البحث العميق القادر على بلوغ أصل الداء، وعدم الاكتفاء بلمس المظاهر السطحية.
فإذا تمت هذه المراجعة واتصفت بما يلزم من الجرأة والعمق والشمولية، فإنها يمكن أن تقود إلى عدة استنتاجات قد يكون من بينها:
§ أن ثمة خللاً في الموازنة بين الأهداف الاستراتيجية المتوخاة والقدرات الفعلية المتاحة.
§ أن ثمة خللاً في تبني عدد من الخيارات الحركية منها:
- الرهان على العامل الأجنبي.
- الرهان على الحركة في ومن الخارج:
- الرهان على الانفراد بالحركة من دون القوى المناضلة في سبيل نفس الهدف.
- الرهان على التحرك السياسي والإعلامي على حساب التحرك الفدائي العملي.
- التوجه المبالغ فيه للعلنية والدعاية.
§ أن ثمة خللاً في توظيف واستثمار الطاقات البشرية والمادية، بسبب الفشل في بناء تنظيم محكم فعال.
§ أن ثمة قصوراً معيباً في بلورة وتنمية وإدامة الولاء النضالي للتنظيم، بسبب الاكتفاء بالولاء الشخصي والعاطفي والموسمي.
§ أن ثمة خللاً خطيراً في مصداقية وكفاءة الهياكل التنفيذية، ما أدى إلى مظاهر التخلي والانشقاق وفقدان الحماسة والفاعلية لدى المناضلين.
هذه وغيرها من الأفكار والملاحظات ستفيد أساساً في توطيد القناعة بالحاجة الحقيقية الملحة غير القابلة للتأجيل للوقفة المطلوبة من أجل إعادة البناء، باعتبار أن مواصلة السير على الطريق نفسها هو سير إلى النهاية والانهيار، وهو سير في طريق مسدودة، ومن ثم فلابد من التوقف لإعادة النظر فيما يتوفر من إمكانات ومدى ونوع ما تتيحه هذه الإمكانات من حركة.
وهنا يصل بنا البحث إلى المسألة الثانية وهي:
تحليل معطيات النضال في المرحلة الحاضرة:
وهذه هي الخطوة الحيوية الأولى من خطوات إعادة البناء، فتصميم البناء وحجمه والغايات المرجوة منه تتوقف أساساً على ما يتوفر من إمكانات التشييد المادية، وعلى الظروف المحيطة التي تؤثر في تحديد وتكييف المهمة التي يمكن له أن يؤديها، ثم على عدد وقدرات البشر الذين سيشغلون البناء ويقومون بتوظيفه.
إلا أن ثمة خطوة أخرى تمهيدية ينبغي أن تسبق خطوة أو خطوات البناء، تلك هي الانتهاء إلى حكم قاطع فيما يتعلق بالبناء الموجود الآن: هل هو يعاني فقط من بعض التصدعات والشقوق أو الزوائد والنواقص، ومن ثم فهو يحتاج إلى عمليات إصلاح وترميم وعمليات إعادة تكييف بالتوسيع أو التضييق؟ أم أنه صار يعاني من تخلخل قوي، بلغ الأسس وأثر فيها، وأنه صار يعاني من خلل في أدائه الوظيفي، بحكم تخلف تصميمه عن متطلبات الظروف البيئية المحيطة، وقصوره عن الاستجابة لحاجات السكان، وأنه لكل ذلك محتاج إلى إعادة تصميم جذرية، لن يصلح أن تقام على نفس الأسس السابقة؟
إن البت في هذه المسألة يكتسب أهمية كبرى، لأنه سيمثل الفصل بين فريقين مختلفين في الحكم على البناء: الفريق الذي ما زال يعتقد في صلاحيته وحاجته فقط إلى الترميم والترقيع، والفريق الذي يعتقد أن البناء بات محتاجاً إلى إعادة تصميم وبناء جذرية. ذلك أن الفريق الأول لن يرى حاجة إلى إعادة النظر في الأسس والتصميمات الأولى، وسيتجه بحثه إلى هدم بعض الجدران وبناء غيرها، أو إغلاق غرف وفتح غيرها، أما الفريق الثاني فسيرى الحاجة الكبرى إلى البدء أولاً بالأسس والتصميمات التي ستتحكم بدورها تلقائياً فيما ينشأ فوقها من مبان وغرف وجدران.
بعد إنجاز هذه الخطوة يمكن أن تبدأ الخطوات الأولى. وأنطلق في البحث من منطلق تبني موقف الفريق الثاني المشار إليه، أي الفريق الداعي إلى إعادة البناء الجذرية.
والخطوة الأولى هي خطوة تقييم وتحليل المعطيات المتوفرة. ويمكن تقسيم هذه المعطيات إلى ثلاثة أنواع:
أولاً – القدرات المتاحة:
ويتم في هذا الصدد حصر وتحليل القدرات المتوفرة حالياً، وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة:
1- قدرات بشرية:
وينبغي القيام بعملية حصر علمية حقيقية، تستند إلى الواقع الموجود، أي عام 1993، للأفراد الذين ما زال يسوغ أو يمكن أن يعتبروا أعضاء في التنظيم، وعملية تقييم علمي موضوعي لمدى استعداد هؤلاء لمواصلة الانتماء والبذل والعطاء في الجبهة، ومدى استمرار قناعتهم بمنطلقاتها وأهدافها، واستطلاع آرائهم في مسيرتها الماضية، وتقييمهم لأدائها، ورؤاهم حول حاضرها وآفاق تحركها مستقبلاً.
إن إنجاز هذه المهمة يتطلب القيام بعملية مسح علمي شاملة، ولكني لا أرى ما يمنع من أن أدون انطباعاتي في هذا الشأن.
وإن ما ألاحظه حول القدرات البشرية المتاحة يقول الآتي:
§ محدودية عددية متزايدة الانحسار والتناقص، بسبب حالات الانسحاب وتجميد العضوية وتجميد النشاط.
§ اختلاف نوعي عن مرحلة التأسيس الأولى، حيث يتصف المحيط البشري المتوفر حالياً بما يلي:
- تقدم السن: فأغلبية الأعضاء المعنيين تقليدياً بلفظ العضوية قد تقدم بهم العمر، ما ينعكس بالضرورة على حيويتهم ونشاطهم واندفاعهم وقدرتهم على الحركة.
- زيادة الأعباء والضغوط الاجتماعية والمعيشية، فكثير من الأعضاء الذين كانوا شباناً عازبين مطلقي الحركة، تزوجوا وارتبطوا بأسر، والذين كانوا متزوجين كثر أولادهم وكبروا، وزادت أعباؤهم ومتطلباتهم النفسية والمادية.
- عدم التفرغ: فتناقص الإمكانات المادية أدى بالتدريج إلى اضطرار الكثيرين للبحث عن عمل يعيشون منه، وربما لن يكون في المنظور القريب قدرة الجبهة على توفير مصادر تمويل تمكنها من تفريغ الأعضاء. هذا مع الأخذ في الاعتبار تناقض الاستعداد لدى الأعضاء الذين مروا بتجارب سيئة للعودة مرة أخرى إلى حالة العيش عالة على الجبهة. وهكذا فينبغي اعتبار أن الأفراد الذين سيقوم عليهم البناء الجديد هم في الأغلب أفراد ملتزمون بأعمال ومشاغل، تحد من قدرتهم على التحرك والتنقل والعطاء.
- التأثر السلبي بالخبرات والتجارب المريرة والإحباطات وخيبات الأمل، ما أدى إلى ما يمكن لمسه بسهولة من مظاهر:
o تقلص وتزعزع الثقة بالتنظيم ومنطلقاته وبرامجه.
o تناقص الثقة في قدرة التنظيم على إنجاز الأهداف.
o اهتزاز الثقة في قدرة القيادة والتزامها وصدقها وأساليب تحركها.
o تزايد الإحساس بالأزمة التي يمر بها التنظيم، كياناً ورؤية وبرامج، وعدم وجود رؤية بديلة تستعيد الثقة والقناعة بجدوى الانتماء للتنظيم والنضال من خلاله.
2 – قدرات مادية:
وهذا الجانب قد يكون أسهل الجوانب تناولاً، فلعله لا يصعب الاتفاق على ملاحظة الآتي:
§ نضوب مصادر التمويل الخارجي الوطنية والعربية.
§ محدودية وشروط التمويل الأمريكي.
§ انعدام الإيرادات بسبب الفشل في سياسة الاستثمار.
§ انعدام الآمال في العثور على مصادر تمويل جديدة في حال استمرار الوضع الراهن.
إن هذه الصورة غير المشرقة للقدرات المادية المتاحة ستنعكس بالضرورة على تحديد حجم ونوع البناء الذي يمكن إنجازه، وعلى الأهداف والوظائف التي سيتوخى تحقيقها، وعلى حجم ونوع القدرة البشرية التي يمكن توظيفها لإنجاز تلك الأهداف.
وسيكون من أولى الانعكاسات الضرورية:
§ إعادة النظر في سياسية التفرغ والتوجه نحو تقليص دائرة المتفرغين إلى أبعد حد.
§ إعادة النظر في تصميم برامج التحرك بما يتواءم مع ظروف الأعضاء، من حيث عدم التفرغ، وشدة الارتباط والانشغال بهموم كسب العيش، ومحدودية القدرة على التحرك، وفي اتجاه تبني البرامج منخفضة الكلفة، التي قد تكون في متناول التنظيم، من منظور الاعتماد على الموارد الذاتية كالتبرعات المحدودة، واشتراكات الأعضاء، والاستثمارات المحتملة.
§ إعادة النظر في سياسة الصرف في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات، والتخلي أو تأجيل البنود التي يمكن تأخيرها في سلم الأهمية، كبند المطبوعات الفاخرة (مجلة الإنقاذ) وبند اللقاءات الموسعة (في الفنادق والقاعات الرسمية) وما في حكمها.
إن النظرة الموضوعية الواقعية لهذا لجانب ستفرض، وكان ينبغي أن تفرض منذ زمن بعيد، التوجه نحو إعادة تصميم الجبهة وبنائها لتأخذ الحجم الذي يليق ويتسق مع كونها مجرد فصيل معارض، لا تتيح له موارده الحقيقية ممارسة ذلك القدر وذلك النوع من النشاطات البالغة التكاليف. وقد جاءت الآن اللحظة التي تضطر فيها الجبهة لفعل ذلك وهي مجبرة، لا مختارة.
3 – قدرات تنظيمية:
ويقصد بهذا النظر في الجبهة من حيث هي تنظيم، وبحث قدرتها بوضعها الحالي على القيام بمتطلبات العمل التنظيمي، بما يتطلبه من جماعية وفاعلية وحضور في ساحات النضال.
والنظر في هذا الجانب يقود، في تقديري، إلى التسليم بأن الجبهة في وضعها الراهن قد فقدت معظم مقومات التنظيم الحقيقية، وأنه لم يبق منها إلا هيكلية تكاد تفتقد الكثير من علامات الحياة الفعلية. إن الجبهة ما زلت مقيدة في سجل الأحياء، باعتبار أن اسمها ما زال يذكر، وأن مؤسساتها ما زالت تحاول ممارسة مهامها، ولو في أدنى مستوياتها، ولكنها حياة قد تكون أشبه بحياة الإنسان في أرذل مراحل العمر، حين لا يبقى له من علامات الحياة إلا الشكل الخارجي، وذلك النبض الذي يتردد في عروقه، ولكنه يكون قد توقف عن ممارسة العديد من وظائف الحياة الحية الخصبة الفاعلة.
فإذا قُبِل هذا التحليل باعتباره وصفاً مقارباً للحقيقة، فيتحتم حينئذ الخلوص إلى نتيجة لازمة هي أن استهداف مواصلة أداء أية مهمة نضالية جادة، يستوجب فعل ما يلزم فعله لبناء تنظيم يكون له الحد المطلوب من مقومات ومواصفات التنظيم بالمعنى الصح






















