Yahoo!

محطات في الطريق: مقاربة منهجية لمبحث إعادة البناء

كتبها يونس فنوش ، في 8 أكتوبر 2011 الساعة: 06:38 ص

مقاربة منهجية لمبحث إعادة البناء

[ورقة أعدت للتقديم في الملتقى القيادي المقرر عقده بتاريخ 4-7 سبتمبر 1993]

إن الشعار المرفوع كعنوان لهذا البحث، وهو "وقفة تقويم من أجل إعادة التنظيم"، يفترض الإقرار والتسليم بصحة مقدمة أولى هي: أن البناء القائم الآن لم يعد صالحاً للبقاء كما هو، لعدة أسباب يمكن أن يكون من بينها:

1-     أنه اهتز وتصدع، وأنه، إن لم يتدارك بالترميم والإصلاح، آيل للسقوط والتهدم.

2-  أنه لم يعد يتواءم مع الوظيفة التي ينبغي أن يؤديها، فهو بالتالي محتاج إلى إجراء تعديلات في تصميمه، حتى يتواءم مع الوظيفة الجديدة المطلوب أداؤها.

3-  أنه لم يعد يستوعب ويستجيب لحجم ونوع وحاجات السكان الذين يتعايشون في محيطه، فهو بالتالي محتاج إلى مواءمة جديدة، سواء بالتوسيع أو بالتضييق، حتى تحدث المواءمة بين البناء وساكنيه.

وإذا عرضنا هذه الأوصاف على البناء الذي نحن بصدد الحديث عنه، وهو "الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا"، فإننا واجدون أنها كلها تنطبق عليه بشكل أو بآخر:

1-  فبناء الجبهة تعرض للعديد من الهزات التي اختلفت قوة وتأثيراً، ولكنها أدت مع مرور الوقت إلى ما نشاهده اليوم من مظاهر الانهيار والتصدع، التي لم يعد يجادل أحد في أنها بلغت حداً من الخطورة يستدعي تداركاً بالإصلاح، وإلا انتهى إلى الانهيار التام.

2-  وبناء الجبهة الذي وضعت أسسه وحددت وظيفته عام 1981، بناء على مواصفات ومعطيات وآفاق الحركة في تلك المرحلة من عمر القضية الوطنية، وعمر المعارضة، لم يعد يتواءم مع مواصفات ومعطيات وآفاق الحركة في المرحلة الحاضرة، التي تأثرت بشكل عميق بحركة المتغيرات الذاتية والخارجية، ما يستدعي تعديلاً ملائماً في أسس البناء، وتوصيفاً مختلفاً للوظيفة المطلوبة منه.

3-     وبناء الجبهة لم يعد يستجيب لنوع وحاجات الأعضاء الذين افترقوا إلى عدة شرائح:

أ – منهم من غادر البناء نهائياً، وذهب ليبحث عن غيره يتفق وحاجاته.

ب – ومنهم من لم يتخل عن موقعه في البناء، ولكنه يكاد يقضي معظم وقته خارجه.

ج - ومنهم من ظل يسكنه، وإن بقناعة متناقصة في مواءمة البناء لحاجاته، وظل يعاني من وطأة القلق والتوفر والضياع، انتظاراً للعثور على بناء أفضل. وهذه الشريحة هي بدورها في تناقص مستمر، لأن أفرادها صاروا يغادرون البناء واحداً تلو الآخر.

ولذا فإن البناء محتاج إلى إعادة تصميم كبرى حتى يتواءم ويستجيب لحاجات أكبر عدد من الأعضاء، ولو أدى ذلك إلى حدوث عملية تصفية حاسمة بين من يبقى ومن يفضل المغادرة.

فإذا صحت هذه المقدمات وقبلت، فإن البحث يتجه عندئذ إلى النظر في مسائل ثلاث:

الأولى – مراجعة نقدية للمرحلة الماضية:

تنظر في ظروف وملابسات تأسيس الجبهة، وتعيد تقييم مدى مواءمة الأسس والمنطلقات لمعطيات الصراع في تلك المرحلة، وتحلل أسباب الفشل في إنجاز الهدف الأول "إسقاط النظام"، ثم تحاول تشخيص مظاهر القصور في تحديد وبلورة وتنفيذ برامج التحرك المختلفة: العسكري والسياسي والإعلامي والتنظيمي.

إن هذه المراجعة ينبغي أن تتم منطقياً من منطلق التسليم بأن الجبهة قد فشلت في إنجاز هدفها الأساسي وهو إسقاط النظام. ذلك أن من لا يسلم أو لا يعترف بوجود هذا الفشل، هو امرؤ لا يسلم أصلاً بوجود العلة، وهو من ثم غير مرشح لأن يتمكن من إيجاد العلاج. ولذا فإن مهمة البحث عن العلاج تقع على كاهل من يسلمون بوجود العلة، ويشعرون بوطأة المرض. ويترتب على هؤلاء أن يتصفوا بالقدر المناسب من جرأة النظر وشجاعة الاعتراف بالحق، والقدرة على البحث العميق القادر على بلوغ أصل الداء، وعدم الاكتفاء بلمس المظاهر السطحية.

فإذا تمت هذه المراجعة واتصفت بما يلزم من الجرأة والعمق والشمولية، فإنها يمكن أن تقود إلى عدة استنتاجات قد يكون من بينها:

§       أن ثمة خللاً في الموازنة بين الأهداف الاستراتيجية المتوخاة والقدرات الفعلية المتاحة.

§       أن ثمة خللاً في تبني عدد من الخيارات الحركية منها:

-       الرهان على العامل الأجنبي.

-       الرهان على الحركة في ومن الخارج:

-       الرهان على الانفراد بالحركة من دون القوى المناضلة في سبيل نفس الهدف.

-       الرهان على التحرك السياسي والإعلامي على حساب التحرك الفدائي العملي.

-       التوجه المبالغ فيه للعلنية والدعاية.

§       أن ثمة خللاً في توظيف واستثمار الطاقات البشرية والمادية، بسبب الفشل في بناء تنظيم محكم فعال.

§       أن ثمة قصوراً معيباً في بلورة وتنمية وإدامة الولاء النضالي للتنظيم، بسبب الاكتفاء بالولاء الشخصي والعاطفي والموسمي.

§   أن ثمة خللاً خطيراً في مصداقية وكفاءة الهياكل التنفيذية، ما أدى إلى مظاهر التخلي والانشقاق وفقدان الحماسة والفاعلية لدى المناضلين.

هذه وغيرها من الأفكار والملاحظات ستفيد أساساً في توطيد القناعة بالحاجة الحقيقية الملحة غير القابلة للتأجيل للوقفة المطلوبة من أجل إعادة البناء، باعتبار أن مواصلة السير على الطريق نفسها هو سير إلى النهاية والانهيار، وهو سير في طريق مسدودة، ومن ثم فلابد من التوقف لإعادة النظر فيما يتوفر من إمكانات ومدى ونوع ما تتيحه هذه الإمكانات من حركة.

وهنا يصل بنا البحث إلى المسألة الثانية وهي:

تحليل معطيات النضال في المرحلة الحاضرة:

وهذه هي الخطوة الحيوية الأولى من خطوات إعادة البناء، فتصميم البناء وحجمه والغايات المرجوة منه تتوقف أساساً على ما يتوفر من إمكانات التشييد المادية، وعلى الظروف المحيطة التي تؤثر في تحديد وتكييف المهمة التي يمكن له أن يؤديها، ثم على عدد وقدرات البشر الذين سيشغلون البناء ويقومون بتوظيفه.

إلا أن ثمة خطوة أخرى تمهيدية ينبغي أن تسبق خطوة أو خطوات البناء، تلك هي الانتهاء إلى حكم قاطع فيما يتعلق بالبناء الموجود الآن: هل هو يعاني فقط من بعض التصدعات والشقوق أو الزوائد والنواقص، ومن ثم فهو يحتاج إلى عمليات إصلاح وترميم وعمليات إعادة تكييف بالتوسيع أو التضييق؟ أم أنه صار يعاني من تخلخل قوي، بلغ الأسس وأثر فيها، وأنه صار يعاني من خلل في أدائه  الوظيفي، بحكم تخلف تصميمه عن متطلبات الظروف البيئية المحيطة، وقصوره عن الاستجابة لحاجات السكان، وأنه لكل ذلك محتاج إلى إعادة تصميم جذرية، لن يصلح أن تقام على نفس الأسس السابقة؟

إن البت في هذه المسألة يكتسب أهمية كبرى، لأنه سيمثل الفصل بين فريقين مختلفين في الحكم على البناء: الفريق الذي ما زال يعتقد في صلاحيته وحاجته فقط إلى الترميم والترقيع، والفريق الذي يعتقد أن البناء بات محتاجاً إلى إعادة تصميم وبناء جذرية. ذلك أن الفريق الأول لن يرى حاجة إلى إعادة النظر في الأسس والتصميمات الأولى، وسيتجه بحثه إلى هدم بعض الجدران وبناء غيرها، أو إغلاق غرف وفتح غيرها، أما الفريق الثاني فسيرى الحاجة الكبرى إلى البدء أولاً بالأسس والتصميمات التي ستتحكم بدورها تلقائياً فيما ينشأ فوقها من مبان وغرف وجدران.

بعد إنجاز هذه الخطوة يمكن أن تبدأ الخطوات الأولى. وأنطلق في البحث من منطلق تبني موقف الفريق الثاني المشار إليه، أي الفريق الداعي إلى إعادة البناء الجذرية.

والخطوة الأولى هي خطوة تقييم وتحليل المعطيات المتوفرة. ويمكن تقسيم هذه المعطيات إلى ثلاثة أنواع:

أولاً – القدرات المتاحة:

ويتم في هذا الصدد حصر وتحليل القدرات المتوفرة حالياً، وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة:

1- قدرات بشرية:

          وينبغي القيام بعملية حصر علمية حقيقية، تستند إلى الواقع الموجود، أي عام 1993، للأفراد الذين ما زال يسوغ أو يمكن أن يعتبروا أعضاء في التنظيم، وعملية تقييم علمي موضوعي لمدى استعداد هؤلاء لمواصلة الانتماء والبذل والعطاء في الجبهة، ومدى استمرار قناعتهم بمنطلقاتها وأهدافها، واستطلاع آرائهم في مسيرتها الماضية، وتقييمهم لأدائها، ورؤاهم حول حاضرها وآفاق تحركها مستقبلاً.

إن إنجاز هذه المهمة يتطلب القيام بعملية مسح علمي شاملة، ولكني لا أرى ما يمنع من أن أدون انطباعاتي في هذا الشأن.

وإن ما ألاحظه حول القدرات البشرية المتاحة يقول الآتي:

§ محدودية عددية متزايدة الانحسار والتناقص، بسبب حالات الانسحاب وتجميد العضوية وتجميد النشاط.

§ اختلاف نوعي عن مرحلة التأسيس الأولى، حيث يتصف المحيط البشري المتوفر حالياً بما يلي:

-   تقدم السن: فأغلبية الأعضاء المعنيين تقليدياً بلفظ العضوية قد تقدم بهم العمر، ما ينعكس بالضرورة على حيويتهم ونشاطهم واندفاعهم وقدرتهم على الحركة.

-   زيادة الأعباء والضغوط الاجتماعية والمعيشية، فكثير من الأعضاء الذين كانوا شباناً عازبين مطلقي الحركة، تزوجوا وارتبطوا بأسر، والذين كانوا متزوجين كثر أولادهم وكبروا، وزادت أعباؤهم ومتطلباتهم النفسية والمادية.

-   عدم التفرغ: فتناقص الإمكانات المادية أدى بالتدريج إلى اضطرار الكثيرين للبحث عن عمل يعيشون منه، وربما لن يكون في المنظور القريب قدرة الجبهة على توفير مصادر تمويل تمكنها من تفريغ الأعضاء. هذا مع الأخذ في الاعتبار تناقض الاستعداد لدى الأعضاء الذين مروا بتجارب سيئة للعودة مرة أخرى إلى حالة العيش عالة على الجبهة. وهكذا فينبغي اعتبار أن الأفراد الذين سيقوم عليهم البناء الجديد هم في الأغلب أفراد ملتزمون بأعمال ومشاغل، تحد من قدرتهم على التحرك والتنقل والعطاء.

-        التأثر السلبي بالخبرات والتجارب المريرة والإحباطات وخيبات الأمل، ما أدى إلى ما يمكن لمسه بسهولة من مظاهر:

o      تقلص وتزعزع الثقة بالتنظيم ومنطلقاته وبرامجه.

o      تناقص الثقة في قدرة التنظيم على إنجاز الأهداف.

o      اهتزاز الثقة في قدرة القيادة والتزامها وصدقها وأساليب تحركها.

o   تزايد الإحساس بالأزمة التي يمر بها التنظيم، كياناً ورؤية وبرامج، وعدم وجود رؤية بديلة تستعيد الثقة والقناعة بجدوى الانتماء للتنظيم والنضال من خلاله.

2 – قدرات مادية:

وهذا الجانب قد يكون أسهل الجوانب تناولاً، فلعله لا يصعب الاتفاق على ملاحظة الآتي:

§ نضوب مصادر التمويل الخارجي الوطنية والعربية.

§ محدودية وشروط التمويل الأمريكي.

§ انعدام الإيرادات بسبب الفشل في سياسة الاستثمار.

§ انعدام الآمال في العثور على مصادر تمويل جديدة في حال استمرار الوضع الراهن.

إن هذه الصورة غير المشرقة للقدرات المادية المتاحة ستنعكس بالضرورة على تحديد حجم ونوع البناء الذي يمكن إنجازه، وعلى الأهداف والوظائف التي سيتوخى تحقيقها، وعلى حجم ونوع القدرة البشرية التي يمكن توظيفها لإنجاز تلك الأهداف.

وسيكون من أولى الانعكاسات الضرورية:

§ إعادة النظر في سياسية التفرغ والتوجه نحو تقليص دائرة المتفرغين إلى أبعد حد.

§ إعادة النظر في تصميم برامج التحرك بما يتواءم مع ظروف الأعضاء، من حيث عدم التفرغ، وشدة الارتباط والانشغال بهموم كسب العيش، ومحدودية القدرة على التحرك، وفي اتجاه تبني البرامج منخفضة الكلفة، التي قد تكون في متناول التنظيم، من منظور الاعتماد على الموارد الذاتية كالتبرعات المحدودة، واشتراكات الأعضاء، والاستثمارات المحتملة.

§ إعادة النظر في سياسة الصرف في اتجاه إعادة ترتيب الأولويات، والتخلي أو تأجيل البنود التي يمكن تأخيرها في سلم الأهمية، كبند المطبوعات الفاخرة (مجلة الإنقاذ) وبند اللقاءات الموسعة (في الفنادق والقاعات الرسمية) وما في حكمها.

إن النظرة الموضوعية الواقعية لهذا لجانب ستفرض، وكان ينبغي أن تفرض منذ زمن بعيد، التوجه نحو إعادة تصميم الجبهة وبنائها لتأخذ الحجم الذي يليق ويتسق مع كونها مجرد فصيل معارض، لا تتيح له موارده الحقيقية ممارسة ذلك القدر وذلك النوع من النشاطات البالغة التكاليف. وقد جاءت الآن اللحظة التي تضطر فيها الجبهة لفعل ذلك وهي مجبرة، لا مختارة.

3 – قدرات تنظيمية:

ويقصد بهذا النظر في الجبهة من حيث هي تنظيم، وبحث قدرتها بوضعها الحالي على القيام بمتطلبات العمل التنظيمي، بما يتطلبه من جماعية وفاعلية وحضور في ساحات النضال.

والنظر في هذا الجانب يقود، في تقديري، إلى التسليم بأن الجبهة في وضعها الراهن قد فقدت معظم مقومات التنظيم الحقيقية، وأنه لم يبق منها إلا هيكلية تكاد تفتقد الكثير من علامات الحياة الفعلية. إن الجبهة ما زلت مقيدة في سجل الأحياء، باعتبار أن اسمها ما زال يذكر، وأن مؤسساتها ما زالت تحاول ممارسة مهامها، ولو في أدنى مستوياتها، ولكنها حياة قد تكون أشبه بحياة الإنسان في أرذل مراحل العمر، حين لا يبقى له من علامات الحياة إلا الشكل الخارجي، وذلك النبض الذي يتردد في عروقه، ولكنه يكون قد توقف عن ممارسة العديد من وظائف الحياة الحية الخصبة الفاعلة.

فإذا قُبِل هذا التحليل باعتباره وصفاً مقارباً للحقيقة، فيتحتم حينئذ الخلوص إلى نتيجة لازمة هي أن استهداف مواصلة أداء أية مهمة نضالية جادة، يستوجب فعل ما يلزم فعله لبناء تنظيم يكون له الحد المطلوب من مقومات ومواصفات التنظيم بالمعنى الصح

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محطات في الطريق: أفكار وخواطر حول الأزمة وملامح الحل

كتبها يونس فنوش ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 08:30 ص

أفكار وخواطر

حول الأزمة وملامح الحل

 [مقتطفات من رسائل أرسلها الكاتب إلى عدد من رفاقه في الجبهة]

بين 28/11/1992م   و  26/6/1993م


الرسالة الأولى 28/11/1992م

(…) وأول أمر أود الحديث عنه هو انطباعي المتزايد بأن التحليل الذي كنت في السنتين الأخيرتين دائم التعبير عنه لأوضاع الجبهة وموقعها من قضية النضال، ومجمل استراتيجياتها وبرامجها، يكتسب مع الأيام مصداقية، وأزداد، أنا على الأقل، قناعة بصحته. ومع أني لم أتمكن من إقناع كثيرين غيري به، ولم أتمكن، عبر كل محاولاتي، من جعله، إن لم يكن كله فعلى الأقل جزءاً منه، ينعكس على أرض الواقع، إلا أني ما زلت أرى أنه يحتوي قدراً جيداً من الصحة والانطباق الموضوعي على واقع الحال الذي تمر به الجبهة كتنظيم، وتمر به القضية الوطنية بصفة عامة.

ولعلك تذكر أن ذلك التحليل الذي أشير إليه يقوم في أساسه على فكرة أن الاختلاف الكلي للمعطيات المادية والمعنوية التي نتحرك خلالها، والاختلاف الكلي للمعطيات السياسية التي صارت تتحرك خلالها القضية الوطنية، داخل وخارج الوطن، بين فترة أوائل الثمانينيات، عند تأسيس الجبهة وبروز المعارضة، وفي فترة أوائل التسعينيات حيث نتحرك الآن، يفرض إعادة النظر في كل شيء، بدءاً من أسس ومفاهيم ومنطلقات العمل، مروراً بالأطر والهياكل التنظيمية، وانتهاء بالاستراتيجيات والبرامج.

ومنذ (…) بدأت أطرح فكرة الحاجة إلى مثل هذه المراجعة الشاملة، ودعوت إلى إجراء مواجهة صريحة وشجاعة لأنفسنا، تعتمد على مراجعة مسيرتنا طوال السنوات الاثنتي عشرة التي مضت، واستخلاص الدروس والعبر اللازمة، ثم إجراء التعديلات والإصلاحات المناسبة، التي تنبني على قراءة واقعية موضوعية لمعطيات الصراع التي تواجهنا، ولقدراتنا الحقيقية على خوضه بما يوفر بعض الأمل في إنجاز شيء فعلي.

وكانت الفرضية الأساسية التي أعتمد عليها في تحليلي هي فكرة أن تجربتنا الماضية، بكل ما حفلت به من عطاء وجهد وتضحيات، تثبت أننا غير قادرين على إنجاز هدفنا الأول الذي نرفعه، وهو "إسقاط النظام" بالقوة، وأن الاعتماد على هذه الفرضية يقود بالضرورة إلى نتيجة محددة، هي أن استمرارنا في التركيز على إنجاز هذا الهدف، وتوجيه قدراتنا وطاقاتنا ووقتنا نحوه، سوف يكون مضيعة للوقت، وإهداراً للجهد، وتفويتاً لفرص ثمينة ربما نستطيع استثمارها في محاولة إنجاز أهداف أخرى، قد لا تصل إلى إسقاط النظام، ولكنها تمكننا من الوجود على ساحة المعركة سياسياً ومعنوياً، وتعيننا على إعادة بناء أنفسنا من منظور جديد، يساعدنا على البقاء كقوة منظمة، طالما بقينا خارج الوطن، ويهيئنا للتعامل مع أي متغيرات سياسية قد تنشأ في ظل وجود النظام القائم أو عدم وجوده.

وكنت أبني على التسليم بهذه الفرضية الأولية فكرة أن المجال الذي يبقى أمامنا لمواصلة الصراع مع النظام، عند استبعاد الصراع العسكري والمواجهة المسلحة أو مواجهة القوة، هو مجال المواجهة السياسية والفكرية، وأن هذا النوع من المواجهة أو التحرك يتطلب أشكالاً مختلفة من الصيغ التنظيمية، وأنماطاً مختلفة من التفكير والبرامج العملية.

ولقد قادني ذلك التفكير إلى أن من أولى الخطوات الضرورية، بعد تحديد المنطلقات الجديدة للعمل، إعادة النظر في الشكل التنظيمي، ثم إعادة بناء التنظيم على نحو يستجيب لمتطلبات العمل والصراع السياسي والفكري. وهذا استدعى بالضرورة طرح قضية الحاجة إلى بناء الجبهة لتكون قوة سياسية منظمة، ذات هوية سياسية واضحة ومحددة، وذات برنامج سياسي وحضاري واضح، يقدم كأحد الطروحات السياسية لقيادة عملية بناء البديل للنظام الحاكم الآن.

(…) وبالرغم من كل الإحباط الناجم عن نتائج المجلس الوطني، فقد حاولت ألا أفقد الأمل، وتحولت باهتمامي وجهدي إلى ما كنت قد وصلت بقناعتي إلى أنه صار في مقدمة المهام اللازم إنجازها، وأنه أول خطوة يجب القيام بها على الطريق الصحيح، وهو طريق إعادة البناء. وهكذا ركزت على مسألة البحث في "الهوية السياسية" أو ما صار يعرف بـ"المشروع الحضاري"، وراهنت على أني قد أستطيع أن أنجز شيئاً على هذا الصعيد، أي صعيد البحث الفكري والسياسي، وفتح المجال أمام نوع جديد من الحيوية الفكرية والتنظيمية، من خلال تنشيط دورة التفكير والحوار في قواعد الجبهة وتنظيماتها.

إلا أن هذه المحاولة باءت هي أيضاً بقدر من الفشل، وواجهت قدراً غير قليل من المقاومة. (…) غير أن ذلك كله لا يمنع من أن الحاجة تظل ماسة وملحة لأن توجد مثل هذه المبادرات والمواجهات الجريئة الجديدة. وهذا ما أظن أننا مطالبون بعمله والإصرار عليه، مهما كانت الظروف والمصاعب والعراقيل.

إني أعرف جيداً أن الظروف الشخصية لكثير من الإخوة صارت صعبة وحافلة بهموم السعي لتأمين العيش، ولكني أنطلق أيضاً من فكرة أننا إذا انتهينا إلى مجرد ساعين لتأمين لقمة العيش، على أي نحو كان، فإن ذلك سيكون مصيراً بائساً، وسيكون كفيلاً بأن يسلب بقاءنا في الخارج وانتسابنا الشكلي إلى ما يسمى المعارضة والعمل الوطني أي معنى أو محتوى. ومن هنا فإن إصرارنا على أن نجد لأنفسنا دوراً معنوياً نقوم به هو وحده الكفيل بأن يعطي لبقائنا معنى، ويخفف عنا من مرارة الإحساس بأننا أهدرنا أكثر من اثني عشر عاماً من حياتنا عبثاً وهباءً. ولعل هذا الإحساس بالمرارة هو الإحساس السائد لدى الغالبية من إخوتنا ورفاقنا في الجبهة، الذي يراجعون حساب هذه السنوات، وما بقي منها مما يمكن أن يحسب في رصيد الإنجازات الثابتة، فيكتشفون أنه لم يبق شيء، وأنهم باقون يراوحون في ذات النقطة التي بدؤوا منها.

ومن هذا المنظور صرت أفكر بأننا لن نحس بأننا أنجزنا شيئاً إذا لم نتمكن من بلورة ذلك الطرح الذي كنا نأمل أن نتمكن من إسقاط النظام لكي نقدمه إلى الشعب الليبي، ونقود معكرة التغيير على أساسه.

إننا نكتشف عند النظر إلى إنجازنا على هذا الصعيد أننا لم نفعل أي شيء، فما زالت رؤانا لأهم المسائل الفكرية غائمة وهائمة وغير واضحة، وما زلنا لم نضع أيدينا على أهم ملامح البديل الفكري السياسي الذي نتفق عليه ونقترحه لمستقبل ليبيا. ونكتشف إلى أي مدى نفتقر إلى المعرفة العلمية الصحيحة بواقع الأوضاع في ليبيا، وبالتغييرات التي طرأت على ذلك الواقع خلال ربع القرن الذي خضع فيه لحكم القذافي وطروحاته وممارساته، ونكتشف أننا لم نقم حتى بأبسط الدراسات العلمية لتاريخ بلادنا الحديث، ولم نجر أي تحليل علمي فلسفي لطروحات القذافي السياسية، لنتبين، لأنفسنا أولاً، ولنبين للآخرين من بعد، لماذا نرفضها، وماذا نقدم بديلاً لها. ونكتشف كذلك ما هو أخطر من ذلك، وهو أننا لم نتمكن من التحول إلى تنظيم له الحد الأدنى من مقومات التنظيم السياسي، ونكتشف أننا ظللنا، وما زلنا، عبارة عن مجموعة تلتقي حول هدف عملي محدود، وبدوافع مختلطة: شخصية وعاطفية وظرفية، ليس من بينها دافع القناعة بطرح سياسي فكري محدد، لا يتأثر بالعلاقات الشخصية والظروف الطارئة، وله مقومات البقاء في ذاته، ونكتشف، بناء على ذلك، أن التقاءنا وعملنا سوياً طوال السنوات التي مضت، لن يشفع ولن يفيد فيما لو حدث تغيير في ليبيا، وعدنا إليها، فسنواجه على الفور خطر التشتت والتفرق، كل إلى سبيل، لأننا لم نتمكن من وضع أسس متينة تظل صالحة وقابلة لأن نلتقي حولها الآن وغداً.

وهكذا فإني صرت لا أجد بديلاً لنا من العكوف على محاولة وضع هذه الأسس لبناء تنظيم سياسي له هوية محددة، وفكر واضح، وطروحات علمية عملية مناسبة.

الرسالة الثانية  14/2/1993م

(…) وهكذا صار الواحد منا يجد تلك الصعوبة البالغة في إعادة توازنه، بعد أن اختل من تحت أقدامه ذلك الأساس القوي من الثقة في النفس، والأمل في المستقبل الذي كان يرتكز عليه.

أنا لا أدري إلى أي مدى يمكن لكلامي هذا أن يصدمك، أو يسبب لك بدوره قدراً من الإزعاج وخيبة الأمل، فلعلك لم يسبق أن سمعت مني مثل هذا الكلام من قبل (…) وحين افترقنا منذ آخر لقاء بيننا، وكان ذلك منذ سنوات، لم تكن الحال هي الحال، ولا الأوضاع هي الأوضاع، ولا النفوس والمشاعر والأفكار هي النفوس والمشاعر والأفكار. وبين تلك اللحظة وهذه اللحظة التي أكتب إليك فيها، مرت سنوات، ووقعت أحداث، واستجدت تطورات، جعلت كل شيء لا يعود هو هو، وجعلت كل شيء يبدو مختلفاً عما كان عليه كل الاختلاف.

وهكذا تجدني أتحدث معك الآن بغير اللغة التي كانت تميز أحاديثنا في الماضي، تلك اللغة التي لم تكن تعرف بين مفرداتها كلمات من عالم اليأس والإحباط وخيبة الأمل وما شابه ذلك، بل كانت تزخر بمعاني القوة والثقة في النفس والأمل الواسع العريض في المستقبل.

عبر السنوات الثلاث الأخيرة سمع مني إخوة كثيرون هذه اللغة الجديدة، وهي لغة صارت تفرضها على نفسي ولساني الأحوال غير السارة التي صرت أشاهدها وأعايشها، سواء على صعيد القضية الوطنية وحركة المعارضين المناضلين في سبيلها، أو على صعيد الجبهة كتنظيم ننتمي إليه، وراهنا بالكثير من وقتنا وجهدنا وعرقنا وآلامنا وعذاباتنا على قدرته على استيعاب طموحاتنا النضالية المرحلية والسياسية المستقبلية.

ولقد راقبت حركتنا داخل التنظيم، وبخاصة منذ "الخروج" من تشاد، ونهاية مرحلة "المشروع العسكري"، ولم أجد في هذه الحركة ما يسرني، أو يحفزني على الاطمئنان إلى أننا نسير في الطريق الصحيح، بل على العكس من ذلك، وجدت عجزاً رهيباً عن رؤية الحقائق الموضوعية بعين النقد والمكاشفة والرغبة في الإصلاح، ووجدت إصراراً، لم أستطع فهمه أو تبريره، على مواصلة السير في ذات الطريق التي يفترض أنه تبين لنا جميعاً أنها مسدودة، ولن تؤدي إلا إلى المزيد من الضياع والخسارة، ووجدت إصراراً عجيباً على المحافظة على كل شيء كما هو، والحيلولة دون أية مبادرات أو توجهات للتغيير والإصلاح، والسعي للخروج من المأزق، بل لقد وجدت أن قلة فقط، سواء في قاعدة الجبهة أو قياداتها، هي التي شعرت وتشعر بأننا نعيش أزمة، وأننا نواجه مأزقاً، وأنه لا أمل لنا إلا في البحث عن مخرج يضع خطانا على بداية طريق جديدة قد تقود إلى شيء.

ولقد بدأت منذ (…) صيف عام 1990م أحث على القيام بعملية نقد معمقة وعملية مراجعة شاملة لكل مسارات ومنعرجات المرحلة التي انقضت، منذ تأسيس الجبهة وحتى الخروج من تشاد، والخلوص بما ينبغي الخلوص به من نتائج وأفكار، ثم القيام بعملية بناء جديدة للجبهة تستند على الدروس المستفادة من تجارب الماضي، وتستلهم وتستجيب للمتغيرات والمعطيات الجديدة التي صارت تحوط وتكيف المعركة من حيث طبيعتها وساحاتها وأدواتها وأبعادها.

وكنت أنطلق في كل ذلك من قناعة، تكونت لديّ وكانت تترسخ مع الوقت، بأن المتغيرات والمعطيات التي صارت تتوفر لدينا وتحكم طبيعة المعركة، سواء في ذلك معطيات الساحة الداخلية في الوطن، أو معطيات المعترك السياسي الدولي، أو معطيات الجبهة كتنظيم، من حيث القدرات البشرية والإمكانات المادية؛ إن هذه المعطيات تفرض منطقياً إحداث مراجعة كاملة لكل شيء، وإعادة بناء التنظيم على أسس ومنطلقات ومفاهيم جديدة، تستجيب للمرحلة، وتواجه تحدياتها المختلفة نوعياً بأساليب وهياكل وأسلحة مختلفة، والأهم من ذلك، بعقلية مختلفة، تحسن التخلص من قيود وأوهام الماضي، وتحسن فهم ظروف الحاضر ومتطلبات الحركة فيه.

(…) ولكني وجدت أن حواجز المحافظة والتقليد، وتراكمات الأفكار المتبلدة التي نجحنا في تكبيل عقولنا بها، كانت أكثف وأصلب وأقوى مما كنت أتصور. ولذا فلم أستطع أن أحقق الكثير، بالرغم من أني قد أكون نجحت في جعل كثيرين يفكرون ويتأملون ويراجعون، وينجحون، على الأقل في الإحساس بالأزمة وفي رؤية المأزق، وإن ظلوا عاجزين عن تخطي ذلك إلى حد الجرأة على رؤية الحل، أو الاعتراف بضرورة إعادة النظر وإعادة البناء، ولو أدى ذلك إلى هدم ما هو قائم بالكامل.

(…) ومع ذلك فإني لا أريد أن أفقد الأمل، إذ يصعب على أن أحكم على ما يزيد على اثني عشر عاماً من عمري، راهنت خلالها على الجبهة، بأنها قد ضاعت هباء، وأني لم أستطع خلالها أن أعمل شيئاً له قدر من الثبات والدوام والبقاء. وما زلت مصراً على استمرار العمل والمحاولة، لعلي أتمكن من إقناع آخرين من الإخوة الكرام الذين عرفتهم ورافقتهم وعانيت معهم آلام ومرارات السنوات الماضية، بأننا لم نفقد بعد كل الأمل، وبأننا قادرون، لو أخلصنا السعي، أن نعمل سوياً، وأن نجد صيغة جديدة لمواصلة المسيرة النضالية، بما يعطينا على الأقل سبباً سامياً ونبيلاً للبقاء كمناضلين من أجل قضية، وليس كمجرد مهاجرين ساعين للبحث عن الملجأ الآمن ولقمة العيش.

ومن هذا المنطلق فإني لم أتوقف عن المحاولة. وكنت قد وصلت إلى قناعة بأن الخطوة الأولى في سبيل أي محاولة للمراجعة والإصلاح تبدأ من الاعتراف بأن الأسس والمنطلقات والمفاهيم التي أقيم عليها بناء الجبهة عند تأسيسها عام 1981، قد اختلفت وتغيرت بشكل شبه كامل، وأن النتيجة المنطقية التي ينبغي أن تترتب على هذا الاعتراف هي التسليم بالحاجة إلى إعادة بناء الجبهة، أو بالأحرى "إعادة تأسيسها" على ضوء المتغيرات والمعطيات المختلفة التي نتحرك فيها الآن. وكنت أقول إن أول أساس يحتاج إلى المراجعة هو مفهوم الجبهة كتنظيم يقوم على "برامج نضال" وليس "برامج حكم"، وهو من ثم مفتوح لكل المناضلين الليبيين بصرف النظر عن انتماءاتهم السياسية والفكرية. وصرت أنادي  بأن هذه الصيغة لم تعد تتناسب والمرحلة الجديدة، وأن الحاجة صارت تدعو إلى إعادة بناء الجبهة كتنظيم سياسي ذي "هوية" سياسية وفكرية محددة، وذي برنامج حضاري ينبني على "رؤية" واضحة للبديل السياسي الذي نسعى لإقامته في ليبيا ما بعد القذافي، بالتعاون أو بالتنافس مع سائر القوى السياسية التي سيقوم عليها أي بديل ديمقراطي تعددي في ليبيا.

(…) وإلى جانب هذا السعي لإعادة بناء الجبهة، كنت أدعو إلى ضرورة إيجاد تغيير جذري في استراتيجية تحركنا السياسي، يتناسب ومعطيات المعركة التي صارت معركة سياسية بالدرجة الأولى، وربما الوحيدة. وكنت أدعو إلى ضرورة إحداث هذا التغيير، ولو أدى الأمر إلى مراجعة مفاهيمنا ومنطلقاتنا الأساسية، فالتشبث العاطفي الأعمى بمفاهيم ومنطلقات الماضي، لا يجدي، بل إنه قد يكون ضاراً أشد الضرر. وكنت في دعوتي هذه أدرك أن تحركاً سياسياً مختلفاً سيتطلب عقلية مختلفة، وخطاباً سياسياً مختلفاً، وسيتطلب أيضاً صيغاً وهياكل مختلفة. وسيتطلب كذلك جرأة غير معتادة على فتح قنوات جديدة، وطرق سبل لم نطرقها من قبل، واستخدام لغة ربما لم نكن نتصور يوماً أننا نستطيع استخدامها. وقد يأتي في مقدمة هذا فتح القنوات مع الداخل، وأعني مع القوى والفئات التي لم نفكر يوماً في مخاطبتها أو الاتصال بها، بما فيها النظام وأركانه، وكذلك فتح القنوات مع الخارج، وأعني مع بقية فصائل المعارضة ورموزها والبحث معها عن صيغ وأساليب للعمل المشترك.

(…) وإذا كنا ما زلنا نود لهذا الكيان الذي صار يسري في دمنا، ويلتحم مع لحمنا وعظمنا، وهو الجبهة، أن يستمر على قيد الحياة، فلا مفر من أن نعمل بجد على إجراء عملية تبديل دم شاملة، تحل دماً جديداً متدفقاً بالحيوية والنشاط، بدل الدماء التي فسدت وأصابتها شتى الأمراض والعلل. وينبغي أن يسعى كل من يحرص على الجبهة، ويحرص من ثم على وجوده السياسي والنضالي، وعلى مستقبله  الحضاري، إلى العمل على إنجاح عملية تبديل الدم هذه، وأن يكون من بين المتطوعين للتبرع بالدم الجديد.

الرسالة الثالثة 16/2/1993م

(…) ولكني بالرغم من إدراكي لحساسية الأمر وصعوبة المعركة، فإني أؤيد بقوة مواصلة السعي لحسم هذه القضايا كلها، والقيام بالوقفة التاريخية اللازمة لمراجعة كل شيء وإعادة بناء الجبهة، لا كفصيل معارض مناضل وحسب، ولكن كقوة سياسية منظمة لها فكر سياسي واضح محدد، ولها برنامج معلن، ولها رؤيتها لقيادة البديل السياسي في ليبيا المستقبل، حالما يتاح لها مجال العمل السياسي داخل ليبيا.

(…) وهكذا فإني أرى أن أمامنا في المرحلة القادمة عدة مهام مستعصية ينبغي إنجازها:

1-     إعادة النظر في مسألة العلاقة بأمريكا.

2-     إعادة النظر في استراتيجية التحرك السياسي. وفي هذا الخصوص تعرض على النظر النقاط التالية:

§    إعادة النظر في الأهداف المعلنة للتحرك، والتوجه نحو تقليل التركيز على هدف "إسقاط النظام"، مع تشديد التركيز على معاني وأبعاد البديل السياسي وأركانه الأساسية، وهي: الشرعية والديمقراطية.

§         إعادة النظر في أساليب التحرك السياسي، وتتضمن:

-  التركيز على فتح قنوات مع شعبنا في الداخل، بكل شرائحه وفئاته، وعدم وضع "فيتو" على أي أحد أو طرف يستعد للالتقاء معنا على حد أدنى من الأهد

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

محطات في الطريق: المحطة الأولى (تقديم)

كتبها يونس فنوش ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 08:22 ص

تقديم

أحمد الله حمداً كثيراً طيباً، وأشكره على أن مَنَّ عليّ بأن مد في عمري حتى عشت هذه اللحظة، التي أتمكن فيها من جمع ونشر هذه الوريقات والبحوث المتفرقة، التي كتبتها خلال إحدى المحطات التي مررت بها في مسيرة حياتي، وهي المحطة التي عملت فيها في إطار الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا في الفترة من 1982 وحتى 1995، وشهدت انفصالي وعدد من رفاقي المناضلين عن الجبهة، وشروع بعضنا في محاولة تأسيس تنظيم نضالي جديد، اتخذنا له اسم "الحركة الليبية للتغيير والإصلاح".

وقد وجدت، وأيدني في ذلك كثير من الرفاق والأصدقاء، أن تلك الكتابات مثلت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

من أجل القضية الوطنية محطات في الطريق

كتبها يونس فنوش ، في 7 أكتوبر 2011 الساعة: 08:13 ص

د. يونس عمر فنوس

 

من أجل القضية الوطنية

محطات في الطريق

 

الجزء الأول

وثائق تاريخية

 

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

امرؤ العبد .. وطرفة بن القيس

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:40 ص

امرؤ العبد .. وطرفة بن القيس

[نشرت في جيل ورسالة، ع1، س9، أبريل 1974]

ــــــــــــــ

(اجتهد تنجح).. حكمة جميلة ورائعة ومختصرة، إلى حد يبعث على الذهول والإعجاب بمهارة صائغها الذي نحتها من هاتين الكلمتين، مثل مخلبين ينشبان في ذاكرة المرء على نحو بالغ الإحكام.

لا أدري متى سمعتها أو قرأتها لأول مرة.. ربما قبل أن أبلغ السن التي تمكنني من قراءتها.. لكن أذكر أن الحكمة كانت تعجب والدتي، وكانت لا تنفك ترددها على مسامعنا، أقصد إخوتي وأنا، كلما لاحظت لدينا ميلاً إلى تفضيل اللعب في الشارع، على فتح الحقيقة المدرسية ومراجعة الدروس. وكانت الحكمة قادرة باستمرار على أداء مفعول قوي، يؤدي بنا في نهاية المطاف إلى المرور في مضيق الامتحانات على نحو مرضٍ.

ولكن الإنسان يكبر، وتغير الأيام والتجارب في داخله أشياء كثيرة، ويعود لا ينقاد بسهولة إلى الانخداع بغير قليل من الحكم الذهبية التي ما انفكت تتردد أمام أذنيه، وتنطبع مباشرة في قلبه، يتفحصها جيداً، ويعيد إليها النظر مرة بعد مرة، حتى يتأكد لديه أنها جديرة بأن يفسح لها الطريق إلى أعماقه التي صارت، مثل معدته التي أحست الكبر، لا تقبل إلا ما أحسن اختياره من الطعام.

المهم.. أنا خطرت علي هذه الحكمة الذهبية، وتذكرت أني لم أكتشف إلا متأخراً أن ذهبها لم يكن صافياً تماماً، أعني ليس من أحسن عيار، فثمة شائبة كبيرة تختلط به، فالحكمة، على الرغم من كل شيء، ينقصها الوضوح، وصانعها كان واجباً عليه أن يحدد لنا أي نوع من الاجتهاد، وأي نوع من النجاح يقصد. إن ذنبه الكبير يتمثل في أنه أطلق حكمته مفتوحة عائمة، ولم يتوقع أن ثمة من يمكنه استعمالها على نحو يفقدها قيمتها الذهبية.

لقد ظللنا نسمعها، ولم نكن نفهم منها إلا أن نجتهد في تمرين ذاكرتنا على الحفظ، حتى يحين اليوم الذي يتعرض المرء فيه لأني يفقد كرامته، إذا تبين أن الله لم يهبه ذاكرة من النوع الجيد.

كان ذلك اليوم يخيفنا إلى حد لا يطاق، ويبعث فينا الروع، ويتجسد لنا في أحلامنا مهولاً أبشع من يوم القيامة؛ إذ إن المرء لا يستطيع بحال أن يثق بذاكرته، أعني إذا كانت الذاكرة يحلو لها أحياناً أن تعبث بالإنسان، وترفض أن تمده حت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

كان وصار .. وما انفك

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:38 ص

كان وصار .. وما انفك

[نشرت في جيل ورسالة، ع2، س9، مايو 1974]

ــــــــــــــ

يمكن أن يلاحظ المرء بسهولة أن كثيرين من طلاب الجامعة، وكثيرين من خريجيها أيضاً، لا يحسنون التعبير باللغة العربية، ويمكن أن يلاحظ أن كثيرين من هؤلاء يخطئون في مبادئ اللغة نفسها، أعني أن كثيرين من هؤلاء قد يقعون بعناد شديد وفاضح في مخالفات جد مكشوفة لقواعد اللغة، فيرفعون المفعول، ويجرون الفاعل والمبتدأ حتى يرغموا أنفيهما في التراب. هذه حقيقة لا يمكن لأحد أن ينكرها، ذلك لأنها ساطعة ومحرقة مثل شمس الصيف.

ولكن ما يلفت انتباهي طبعاً هو أن الاتهام واللوم ينصبان بطريقة أكثر حدة على الجامعة وطلبتها وخريجيها، ومن طرف خفي على معلميها أيضاً، وتصير للخطأ درجات ومراتب، ويصبح خطأ تلميذ المدرسة أقل خطورة من خطأ طالب الجامعة، ويتحول خطأ الخريج إلى جريمة لا تغتفر، وأمر من العجائب المدهشة المحيرة.

الحق أني –لفترة ما- كنت أسير في الاتجاه نفسه، ولكني بدأت أنتبه رويداً رويداً إلى أن التعجب من ذلك الوضع هو نفسه العجب وغير المنطقي، وصرت أتساءل: كيف يحق للمرء أن يتصور أن سنوات الجامعة الأربع قادرة على محو التراكمات التي خلفتها سنوات المدرسة الاثنتا عشرة.. أعني أن المرء لا يستطيع أن يتصور ذلك إلا إذا كان مقتنعاً بأن الذين يقومون بالتعليم في الجامعة هم حواة أو سحرة أو "مرابطون"، وليسوا بشراً عاديين.

ذلك الافتراض وحده هو القادر على تبرير جسامة المهمة التي يلقيها اللائمون على معلمي الجامعة. فريق اللائمين يجد مبرراً معقولاً للدهشة والاستغراب، لأنه منذ البدء ينطلق من اعتقاد راسخ بأن معلم الجامعة يمت

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

البحث عن المشبه…

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:36 ص

البحث عن المشَبَّه…

[نشرت في جيل ورسالة، ع3، س9، يوليو 1974]

ــــــــــــــ

لقد ظل يخيل إلي، إلى وقت متأخر نسبيا، أن ثمة لبساً كبيراً لم يفطن إليه واضعو المناهج للمرحلة الثانوية. في الحقيقة كنت دائماً أستصغر قدري، وأشك في إمكانية أن أكون الوحيد الذي فطن إلى هذا الأمر الخطير. على أية حال، أنا لا أستطيع أن أفهم قط، كيف غفل أولئك الذين وضعوا المناهج ونسبوا علم البلاغة إلى الدراسة الأدبية.

كنت دائماً أنظر إلى هذه المادة، فألاحظ أن فيها من الإحصاء والرياضيات أكثر مما فيها من الأدب، وفيها من العلم أكثر مما فيها من البلاغة، وكنت أقف حيال المسائل والمشكلات البلاغية، وأعاني بالغ المشقة في محاولة حلها. وتمر بي أوقات كنت أصل فيها إلى درجة الترَحُّم على واضعي علوم الحساب والجبر، فهذه، رغم كل شيء، كان ينتهي بنا المطاف دائماً إلى العثور على حل مسائلها، بعد قليل أو كثير من المشقة. هذا حق، ولكن كانت نفوسنا دائماً تنتهي إلى واحة اليقين، وتستشعر حلاوة الانتصار.

ولم يكن الأمر كذلك في علوم البلاغة. كانت الحيرة هي دائماً بداية الطريق، والشك، في أغلب الأحيان، نهايته، حتى صار يُخَيّل إليّ أن سراً كبيراً يكمن وراء هذه العلوم. وصرت أُخَمِّن أن واضعها أو واضعيها لابد أن يكونوا أناساً حَيَّرهم السر، فأحبوا ألا ينفردوا بهذه الحيرة، ووضعوا هذه العلوم ليحيروا غيرهم بها. وصار علينا أن نمر بتجربة الحيرة البلاغية كما مر بها آباؤنا وأجدادنا.

أنا في الحقيقة لم أستطع أبدأ أن أنتهى إلى يقين فيما يخص الغرض من التشبيه. هذا فقط على سبيل المثال. إن المرء يمكنه بعد إجراء بعض المعادلات أن يكتشف التشبيه. ذلك حق، فاكتشاف وجود التشبيه لم يكن يحتاج إلى مشقة كبيرة، ثمة علامات مميزة تدلك على وجوده في كثير من الأحيان، فأنت ع

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

نتائج الامتحانات.. ودلالة الإحساس بالمفاجأة

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:35 ص

نتائج الامتحانات.. ودلالة الإحساس بالمفاجأة

[نشرت في جيل ورسالة، ع4، س9، يونيو 1974]

ــــــــــــــ

في الفترة التي أعقبت إعلان نتائج امتحانات هذا العام، بدونا وكأننا نفاجأ لأول مرة باكتشاف أن ثمة شيئاً ما لا يسير على ما يرام في مجال التعليم، سواء في ذلك التعليم العام أو التعليم الجامعي. بدونا وكأننا نكتشف ذلك لأول مرة، وظهرت علينا علامات المفاجأة، وتجسدت دهشتنا في عناوين الصحف المتسائلة عن المسؤول الحقيقي عن هذه المفاجآت غير السارة، التي توالت علينا في نتائج امتحانات الشهادة الإعدادية وامتحانات الجامعة في كثير من كلياتها.

وأنا أحب أن ألاحظ أولاً أن حدوث المفاجأة هو في ذاته شيء غير سار على الإطلاق، أعني أن ذلك يجعلنا نظهر كأننا استيقظنا فجأة من نوع عميق كان يشغلنا عن ملاحظة المرض الساري في أوصال التعليم، دون أن نحس. كان جسد التعليم يبدو أمامنا في أحسن صحة، وكانت أعداد التلاميذ الجديدة تملأ صدورنا بكثير من الراحة المطمئنة، وتجعلنا نحس أن كل شيء يسير على ما يرام، حتى بدأ المرض الذي ظل يتمكن من الجسد، على نحو هادئ وبطيء ومتصل، يعلن عن نفسه، ويبدأ أول هجوماته.

إن ذلك يحدث باستمرار على الجسد الحي، ويحدث أن يتسلل المرض في جسد المرء، ويظل يغوص ويغوص، حتى يتمكن من مراكزه، ثم يبدأ في الإعلان عن نفسه. ولقد اكتشف الإنسان منذ زمن بعيد أن التعامل مع المرض، هذه القوة الخفية القادرة على التسلل غير المرئي، يحتاج إلى أسلحة من نوع خاص. ولقد اخترع الإنسان عشرات، بل مئات الأجهزة والآلات التي مكنته من كشف الجرثومة ورؤيتها، ومكنته أيضاً من دراسة وتحديد نوع السلاح القادر على القضاء عليها.

ولقد خدعتنا الظواهر كثيراً فيما يخص التعليم، وظللنا نشاهد أعداد التلاميذ المتزايدة والمدارس الجديدة التي تنتشر بسرعة مذهلة في جميع الأنحاء، ونحس بالسعادة المطمئنة تدغدغ نفو

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ويا سيدي خريبيش .. لك الله !!

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:33 ص

ويا سيدي خريبيش .. لك الله !!

[نشرت في جيل ورسالة، ع7، س9، نوفمبر 1974

ــــــــــــــ

في المتحف الحربي بباريس، وفي القسم المخصص لآثار نابليون، يشاهد الزائر مجموعة عجيبة من الأشياء التي اتصلت بحياة نابليون أو بشخصه على نحو من الأنحاء. ويمكن أن يشعر المرء، على الأقل بينه وبين نفسه، بكثير من الدهشة حينما يتفحص تلك الأشياء المعروضة، ويتساءل عن معنى الاهتمام بجمعها وعرضها وتحمل نفقات العناية بها ورعايتها. وذلك لسبب صغير هو أن تلك المجموعة العجيبة هي، باستثناء عددد قليل منها، يمكن اعتبارها من أتفه الأشياء التي يمكن أن يمتلكها إنسان. إن المرء يمكن أن يتوقع رؤية الكثير من الأشياء الثمينة نادرة الوجود في متحف يخصص لإمبراطور: أحجار كريمة، عروش من الذهب، مجوهرات، تيجان..إلى آخر ما يمكن أن يذهب إليه خيال المرء.. ولكنه لا يسعه إلا أن يشعر بالدهشة حينما يتفحص ما حرص الفرنسيون على جمعه من خصوصيات إمبراطورهم العظيم، مثل تلك الخصلة من شعره الذهبي، أو تلك الرسالة المكتوبة بخط يده، أو ذلك السرير الخشبي الذي كان ينام عليه وهو في المنفى، وبجانبه المنضدة والكرسي الخشبيان اللذان كان يجلس ويكتب عليهما، أو تلك القطعة المتهرئة من خشب التابوت الذي دفن فيه، وأخيراً تلك الحفنة من الرمال التي جمعت من المكان الذي كان منفاه.

إن المرء يمكن أن يشعر بالدهشة، ولكنه، في الوقت نفسه، يجب أن يشعر بالاحترام إزاء هذا التقدير العظيم للتاريخ. فكل تلك الأشياء التافهة قد اكتسبت قيمة عظيمة بمجرد اتصالها، على نحو من الأنحاء، بحياة ذلك الرجل العظيم. وحين يحرص الفرنسيون على جمعها وحفظها ورعايتها، فإنهم يحاولون أن يحفظوا جزءاً من تاريخهم، ويحرصون على تقديس ذلك التاريخ من خلالها.

ولست أدري لم يخطر ببالي متحف نابليون كلما تذكرت سجن بنغازي القديم، الذي فوجئت يوماً برؤيته قد اختفى وسُوِّيَ بالأرض. كنت دائماً أذهب بخيالي إلى تلك الزنزانة الصغيرة التي كان عمر المختار، شيخ شهدائنا كما نسميه، قد اعتقل فيها قبيل محاكمته وإعدامه، وكنت أقول لنفسي إن تلك الزنزانة أكبر قيمة بكثير من ذلك البرج العتيق الذي حرص هادموا السجن على استبقائه، فما قيمة ذلك البرج بالنسبة لتاريخنا الذي نحرص على صونه؟ فيما يكتسب الحرص على صون الزنزانة التي اتصلت بتاريخ أكبر أبطال جهادنا معنى جليلاًَ وعميقاً.

ولقد مرت ببالي كل هذه الأف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

هل ينبغي طرح الثقة في شهادات الجامعة؟؟

كتبها يونس فنوش ، في 11 فبراير 2010 الساعة: 07:20 ص

 

 

هل ينبغي طرح الثقة في شهادات الجامعة؟؟

[نشرت في جيل ورسالة، ع7، س9، نوفمبر 1974]

ــــــــــــــ

فلنتحدث هذه المرة عن الجامعة. في عدد سابق ترحَّمْنا ما وسعنا الترحُّم على مصلحة الآثار، التي صار حالها كحال اليتيم المستضعف، الذي لا ناصر له. وفي هذه المرة نريد أن نترحم على الجامعة، بالرغم من أن حالها لا يطابق تماماً حال مصلحة الآثار، فمصلحة الآثار يمكن أن يجد لها المرء عدداً من الأعذار، ليس أقلها أنها تدخل في صراع غير متكافئ مع البلدية المسلحة بمختلف أنواع الجرافات، لكن الجامعة لا تدخل في صراع مع أحد. أعني هكذا يبدو في ظاهر الأمر، فليس ثمة جهة أخرى تصارع الجامعة، وتحاول أن تعوق حركتها، وأغلب الظن أن ما تواجهه الجامعة هو نوع من الصراع ضد نفسها، وليس ضد عوامل خارجة عن نطاقها.

ونحن في الواقع لا يهمنا أن نعرف على نحو الضبط ما هي عوامل الصراع، وما هي أطرافه، فسواء أكانت الجامعة تصارع نفسها أم تصارع عوامل خارجة عنها، فالنتيجة في الحالين تكاد تكون واحدة. أعني أن الأزمة تظل موجودة. والدوافع التي تدعونا للترحم عليها تظل قائمة أيضاً.

وقد تبدو كلمة الترحم صاعقة وثقيلة الوطأة. ذلك أن الميت فقط هو من يترحم عليه الناس، وأنا في الحقيقة أريد أن أجازف بإصدار هذا الحكم، أعني أريد أن أقول إن الجامعة قد ماتت أو هي في طريقها إلى أن تموت، ولا تعود تستحق منا سوى عبارات الترحم والأسف.

ربما يثور علي كثيرون. ويتهمونني بالسخف والتهريج، وربما أُتهم فقط بالمبالغة التي تزيد على الحد، ولكني سأجازف بالإصرار على هذا الحكم، حتى يتبرع من يرون فيه شيئاً من المبالغة أن يقنعوني بالعكس، أعني أن شيئاً حتى الآن لم يقنعني بأن الجامعة تتقدم وتتطور وتسير إلى الأمام، فيما تتضافر مشاهدات عديدة لإقناعي بأنها تسير إلى الخلف، وتتقلص وتفقد مبررات وجودها.

بإمكاني في الحقيقة أن أتحدث حديثاً طويلاً عن أزمة الجامعة.. حديثاً ربما يبدأ بطريقة إدارتها، ويتعرض طويلاً لمناهجها، ويتعرض على نحو أطول لطرق التدريس بها، ثم على نحو مشابه لطرق الامتحانات فيها. ولكن ربما أتجاوز في

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي